أحمد أمين

18

كتاب الأخلاق

إن الناس مع الاختلاف الكبير فيما بينهم يميلون جميعا - إلا الشواذ - إلى الشرف والحق والصدق وسائر الفضائل ، وإن كان هذا الميل يختلف فيما بينهم قوة وضعفا ، والتربية الصحيحة تقوي هذا الميل وتصل بالإنسان إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه ، كما أن التربية السيئة تضعف هذا الميل وقد تفنيه . من الخطأ أن يقرر الأب أن ابنه سيكون طبيبا أو مهندسا أو قاضيا ثم يرغمه على السير في السبيل الذي يحدده ، فربما لا يكون عند الناشئ استعداد طبيعي للطب أو الهندسة أو القانون ، ولكن من الصواب دائما أن يقرر الأب أن يجعل ابنه أمينا شجاعا مجدا ؛ لأنه ولد وعنده استعداد لذلك إلى حد ما ، ودراسة الأسس النفسية ومعرفة قوانينها تمكن الإنسان من التربة الصحيحة ، ونحن نكتفي هنا بذكر أهمها . الغريزة اعتادت الفلسفة القديمة أن تقول : إن الإنسان يولد صحيفة بيضاء ينقش فيها المربي ما يشاء ، أو تقول : إنه كالعجينة المرنة يصورها المربي حسب ما يهوى . وقد تبين خطأ هذه النظرية ، وظهر أن الإنسان يولد صحيفة منقوشة نقشها أسلافه ، لأنه يخرج إلى هذا الوجود وسرعان ما يعمل أعمالا بالغريزة كما يفعل الحيوان ، ونحن نذكر لك أهم الغرائز : [ أهم الغرائز : ] 1 - حفظ الذات : نرى كل حيوان كبيرا كان أو صغيرا راقيا أو دنيئا ، يسعى - دائما من يوم أن يولد - في أن ينمو ، ويجاهد ما أمكنه للحصول على قوته ، ويمعن في الهرب من الموت . ونرى الإنسان يحاول أن يعيش في أية بيئة مهما ساءت ، ولا يألو جهدا في أن يعدل نفسه لتلتئم مع البيئة التي يعيش فيها . وإنه ليأخذك العجب حين تلاحظ أن الجسم الحي إذا صادفته حالة حرجة تكاد تقضي عليه قد تسلح بأسلحة عدة يتقي بها الخطر ، بل أكثر من هذا نرى في نفسه ميلا طبيعيا يدعوه لأن يعيش عيشة أرقى من عيشته . هذه الغريزة هي التي ملأت وجه البسيطة بالملايين التي لا تعد من الأجسام الحية ، فهي تعيش لأن في غريزتها أن تعيش .